بسم الله الرحمن الرحيم

12/11/2025

مقال بعنوان/

دور النقابات في صياغة سياسات التعافي والحوكمة ما بعد الحرب على غزة

·        د. سلامه أبو زعيتر

إن مرحلة ما بعد العدوان تتجاوز تحديات الإغاثة والإعمار التقليدية، لتمثل لحظة فارقة لإعادة بناء في كل الاتجاهات من الانسان الي الهياكل المادية الي الهياكل المؤسسية والحوكمية للدولة الفلسطينية، وفي هذا السياق أصبح الدور الفعال والمطور للنقابات والاتحادات والمؤسسات الوطنية، المسلحة بالخبرة المهنية والشرعية المجتمعية، ضرورة استراتيجية لضمان سير عملية التعافي وإعادة الاعمار وفق مبادئ العدالة والوضوح والشفافية والاستدامة، وهو ما يدعو للتأكيد على الشراكة الحقيقية بين كل الفاعلين في صُنع السياسات والتشريعات العاجلة، من ناحية يجب على الأجسام النقابية أن تتحول من مجرد شريك اجتماعي إلى شريك في صياغة السياسات والبرامج وخطط التعافي، بما يحقق الرؤية المهنية في السياسات العامة وعلى الحكومة والجهات ذات العلاقة اشراك النقابات وتفعيل دورها في اللجان العليا للتعافي وإعادة الإعمار وفي عملية التخطيط الاستراتيجي الوطني.

ان الاحداث والمتغيرات والمستجدات على قطاع غزة من دمار ومقتلة طالت كل مناحي الحياة يستوجب منا تفكير متطور وخطوات فعالة وعملية تواكب عمليات التعافي بتطوير القوانين والتشريعات والحماية الاجتماعية، ويجب أن تضطلع النقابات العمالية بدور محوري في مراجعتها ومنها على سبيل المثال: قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية، لضمان تضمينها بند "الحماية والتأمين من المخاطر في الازمات الكوارث والحروب، بما يكفل حقوق المتضررين والمفقودين والأسر التي فقدت معيلها، ويحدد آليات التعويضات السريعة والفعالة، كما ويجب أن تمارس النقابات ضغطاً تشريعياً لضمان أن تكون عملية تخصيص الموارد الدولية والمحلية لغزة ملزمة قانوناً بمبادئ الشفافية والحكومة الرشيدة وينسجم مع التشريعات والقوانين الفلسطينية بما يحقق العدالة والحماية للعمال والموظفين، ويضمن مشاركتهم في عملية الاعمار ضمن شروط العمل اللائق والكريم.

ان الواقع الذي أفرزته تداعيات الحرب من تجاوزات وفساد يحتاج الي تدخلات مجتمعية تساهم في تعزيز الحوكمة المؤسسية والنزاهة الإدارية، وتمثل مشاركة المؤسسات الوطنية والنقابات عنصراً ضامناً للنزاهة، وموازنة للقوة في آليات اتخاذ القرار إذ ما كانت هي تقوم على أسس ديمقراطية، وتنظم عملها قوانين وقرارات جماعية، وعمل جماعي وفق منهجيات العمل المؤسسي الرشيد، وهنا يكون دور مؤثر باعتبارها مراقبا للجودة والاداء على مستوى التدخل والإجراءات الإدارية، وهو ما يتطلب تطوير ميثاق إفصاح نقابي موحد يضمن الكشف عن المعلومات المتعلقة بمشاريع التعافي والتمويل والقائمين عليها، والتعاون مع مؤسسات مكافحة الفساد، وذلك بسبب طبيعة البيئة القانونية المعقدة في غزة، ونظرا لما هو قائم حاليا، لذا من المفضل والمستحسن أن تساهم النقابات في تطوير آليات إدارة المخاطر الإدارية والقانونية لتبسيط الإجراءات للعمال خصوصا والمواطنين والمستثمرين بشكل عام، وتقديم الأفكار والخطط لحل النزاعات المتعلقة بالحقوق العمالية والتعويضات، وعليها أن تساهم كنقابات متخصص في تقديم الدعم الفني والاستشاري للمؤسسات المحلية المنهكة، لرفع كفاءتها في إدارة الأصول العامة وتخطيط إعادة الانتشار السكاني، بما يتوافق مع المعايير المهنية والإنسانية.

إن مشاركة النقابات في مراحل التعافي وإعادة البناء يضفي على الموقف الفلسطيني مصداقية فنية ومهنية أمام المجتمع الدولي والمانحين كما ويجب على النقابات أن تقود الدعوة لتبني "نموذج التعافي الأخضر والمقاوم للصدمات"، والضغط على المانحين لتوجيه التمويل نحو مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية الذكية وتطوير التدخلات بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة العاجلة، بما يحقق الاستدامة والتعافي بمراكمة الإنجازات وعدم التراجع والانتكاسة، وهو ما يدعو الي استثمارها للعلاقات الدولية والعربية مع النقابات الاتحادات النقابية العالمية لجلب الخبرات الفنية وفرق المتطوعين في مجالات إعادة التأهيل الصحي والنفسي والتربوي، وإدخالها في صلب الخطط الوطنية.

أخيرا: أن استعادة العقد الاجتماعي وتطوير التدخلات للنقابات كشريك في كل مراحل التعافي وإعادة الاعمار بما يشمل صياغة السياسات والحوكمة والرقابة القانونية كمسؤولية مشتركة وآلية استراتيجية بما يحقق أن تكون عملية التعافي مملوكة وطنياً، وعادلة مجتمعياً، ومستدامة إدارياً، فإن هذا التمكين المؤسسي هو جوهر استعادة "العقد الاجتماعي"  وتحقيق النهوض الشامل في قطاع غزة، لتسير العملية بشكل انسيابي يشارك فيها الكل الفلسطيني والمؤسسات المجتمعية والمدنية، وهو ما نحتاجه اليوم لنحقق ما يتطلع له شعبنا، بعد ما واجهه من تحديات وعذابات والجروح والآم بسبب المقتلة والدمار ...

·        عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة